الإعلام العمومي في تونس : دمار و" خنّار أزرق " وتجاوزات ونهب للمال العام أمام صمت الدولة والنقابات ونواب الشعب ؟

 

كتب الزميل شكري بن نصير ( الذي يحمل صفة رئيس التحرير بجريدة لابريس ) على صفحته الخاصة على " فايسبوك " إشارات  مختصرة  عن الوضع العفن الذي بات يعيشه الإعلام العمومي في تونس متّخذا من جريدته " لابريس " مثالا على هذا المرض العضال الذي استفحل في جسم الإعلام العمومي  على مرأى ومسمع من الجميع دون أن يتجرّأ  أحد على التدخّل لوضع حدّ لهذا الهراء وهذا الإهدار الفظيع للمال العام . وجاء في ما كتبه شكري بن نصير :
"  لابراس مثال يحتذى به في التصرف في الموارد البشري ؛
رواتب تصرف لصحفيين لم يباشروا منذ 2011
امتيازات مقابل خطط وهمية
شهادات علمية مزورة او بدون معادلة علمية
عقود عمل لمتقاعدين وصحفيين شبان متعاونين ترفض الادارة التعاقد معهم
تنكيل بالإطارات التي ترفض التعاون في ملفات مشبوهة
هذه بعض الفضائح التي سنأتي عليها بالتفاصيل لاحقا
وحقائق أخرى صادمة
صباح الخير يا حكومة الوحدة وحدة حتى تندلع النيران ... ".
وبالفعل فإن ما ذكره الزميل شكري ليس في الحقيقة سوى نقطة من بحر متلاطم من  الخور والتجاوزات والفضائح  التي يعلمها الجميع تقريبا في عالم الصحافة لكنّها لم تحرّك يوما سواكن أولئك الذين من المفروض أن يتصدّوا لها  وأن يعملوا على استئصالها من جذورها وأوّل هؤلاء الصامتين الدولة  التي يعود إليها مبدئيّا شأن تسيير مؤسسات الإعلام العمومي ونقابة الصحافيين التونسيين التي تدرك جيّدا حجم الخور والخراب ونهب المال العام داخل هذه المؤسسات ولا تحرّك إصبع يد واحدة ... ونقابة الثقافة والإعلام التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل  التي لا يبدو أن الأمر يهمّها من قريب أو من بعيد ... ولم يحرّك هذا الخور أيضا سواكن  نواب  الشعب  الذين يبدو أنهم نسوا أو تناسوا أن من بين واجباتهم الأساسية الدفاع عن مصالح الشعب  الذي يدفع من جيبه رواتب وحوافز بمئات الآلاف من الدينارات التي تذهب في جيوب صحافيين وتقنيين ومخرجين وغيرهم  دون أي وجه حق . ففي صحيفة  " لابريس " كما في وكالة تونس إفريقيا للأنباء ... وفي أغلب الإذاعات العمومية ( في العاصمة وفي الجهات )  و في القناتين التلفزيتين  الأولى والثانية  وفي صحيفة  " الصحافة "  هناك صحافيّون وتقنيون ومخرجون  وحتى عملة  لا يكاد يراهم أحد في مقرات عملهم ... فيهم من يتغيّب أشهرا  ولا يكاد يكلّف نفسه عناء أي تنقّل إلا مع  "  راس الشهر " عندما يذهب إلى البنك أو إلى البريد ليتأكّد من أنهم  " صبّوا الشهاري " فيسحب ما يحتاجه ويترك ما لا يحتاجه ... كما أن عدد رؤساء التحرير في أغلب هذه المؤسسات العمومية على سبيل المثال يفوق الوصف والخيال إذ يفوق 20 رئيس تحرير في مؤسسة " سنيب  لابريس " مثلا فيهم من عاش عمره  ولم يباشر رئاسة التحرير ساعة واحدة في حياته  إلى أن أحيل على التقاعد طبعا بكافة امتيازات رئيس التحرير...
" الزغاريد أكثر من الكسكسي "
هذا المثل الشعبي الصميم ينطبق تماما على واقع الإعلام العمومي في تونس . فقد جرت العادة السيئة في هذا القطاع  أن يقع تحديد  عدد المقلات  أو حجم العمل الذي على الصحافي أن يقوم به في الشهر ولا يمكن أن ينزل دونه  ( مبدئيّا على الأقل ) . ويترواح  عدد المقالات في الصحافة المكتوبة مثلا بين 12 و15 مقالا ( ياسر عليهم مساكن ) ... أما ما زاد على ذلك فيحسب لهم  على أساس " بريمات " أو " سوايع زايدة " ... ولعلّ ما لا يمكن لأي صحافي له الحد الأدنى من الضمير المهني أن يفهمه هو أن العديد من هؤلاء  يصعب عليهم كتابة 12 أو 15 مقالا في الشهر بينما  يكتبون  وبكل سهولة  30 أو 40 مقالا زائدا أو أكثر أي تلك المقالات التي تدخل في إطار " الحسبة الزائدة " . وعلى ذكر  هذه العبارة  هناك الكثير ( كانوا وما  زالوا )  يحصلون شهريا على منح وحوافز أكثر من مرتباتهم الأصلية  والفضل طبعا يعود إلى هذه العادات " الحميد جدا " التي تشجّع على الكسل  والتواكل من ناحية وعلى نهب المال العام من ناحية ثانية . وعلى ذكر الغيابات  وحتّى لا أنسى  سأذكر هذين المثالين  وأترك لكم حرية التعاليق .  فقبل الثورة كان أحد العاملين في الإذاعة الوطنية  " عامل دار مقام " بأحد النوادي الخاصة حيث يقضي 7 ساعات و 45 دقيقة  من جملة 8 ساعات مطالب بأن يقضيها في المؤسسة  كل يوم . هذا الشخص كان يتقاضى منحة إنتاج من أرفع ما يكون  ( طبعا كان ينتج بغزارة  في النادي الخاص مع بنات  الشعير الأصفر المتوسّط ) ... أما بعد الثورة فقد فرض عليه المدير الجديد أن يحضر بالفعل كل يوم وأن يقضي كامل الوقت في العمل فامتثل ... وعندما قبض أول  منحة إنتاج كانت  " ناقصة " لأنه عمل أكثر من اللازم ؟؟؟.
أما المثال الثاني فيهمّ شخصا يعمل بمؤسسة التلفزة التونسية . هذا الشخص ومن كثرة  تغيّبه عن العمل أصبح زملاؤه يقولون عنه إنه  يتغيّب  32 يوما في الشهر و367 يوما في السنة . ورغم ذلك فإن مرتّبه ظل سليما معافى  ولم يصبه ولو مرة واحدة زكام صغير يطيّر منه  " عشرة  لاف " على الأقل ...  أما الأطرف ( والمحزن  في الحقيقة ) فهو أن هذا الشخص اتّخذ من أحد المقاهي مقرّا  " رسميّا " له يأتيه فيه الأصحاب والأحباب ... وكل من  له شأن معه ... ويبدو أن الحكاية أعجبت صاحبنا  فقام بتغيير المقرّ ( عفوا المقهى ) البعيد بمقهى آخر يقع على بعد بضعة امتار فقط من منزله ... وانظروا كيف أن هذا الشخص الذي ينال أجرته من مالي ومالك ومال دافعي الضرائب استخسر  في نفسه مشقّة  التنقّل ليس للعمل طبعا لكن للراحة و " الركشة " فاختار مكانا أكثر قربا  من مكان نومه العادي .
ضدّ كافة قوانين العمل
نعلم جميعا أن قوانين الشغل في تونس تمنع أي موظف عمومي من الجمع بين وظيفتين في نفس الوقت . ولئن كان النظام البائد قد حاول أن تنطلي الحيلة من خلال الإيهام بأن الصحافيين والموظفين العموميين المكلفين بتلميع صورته  لا يتقاضون أجورا مقابل أعمالهم التي تتم خارج مؤسساتهم الأصلية وأن ذلك يتم في إطار " التعاون الثقافي " فبأي تبرير يمكن اليوم أن نفهم  أن العديد من الصحافيين والتقنيين والمخرجين العاملين في المؤسسات الإعلامية العمومية  " يعملون لله وفي سبيل الله " في مؤسسات أخرى ؟؟؟.  طبعا هذه خرافة لا تنطلي حتّى على آخر مولود جاء إلى الدنيا منذ لحظات في " سبيطار وسيلة " . فهؤلاء يعملون في مؤسسات أخرى بمقابل ... وهذا المقابل أرفع بكثير من أجورهم في مؤسساتهم ... والصورة أن " السيد " ( أو السيدة ) يعمل في مؤسسة ثانية ويقبض مرتّبا قارّا من مؤسسته العمومية القارة  ويقبض مرتبا آخر " سمين " من مؤسسة إعلامية أخرى ولا أحد يعترض أو يتحرّك ... وأتعس من هذا إذ يوجد من يعمل في مؤسسة إعلام عمومية ويتعامل مع مؤسسة إعلامية عمومية  أخرى بمقابل ولا أعتقد أن  المسؤولين في كلا المؤسستين لا يعرفون ما ذا يقول قانون الشغل في هذا الموضوع . ولعلّ ما يبعث على الريبة والتساؤلات المبهمة هو أن هؤلاء لا يعملون في مناجم  أو مغارات  ودهاليز تحت الأرض بل في مؤسسات واضحة  ومكشوفة حيث نراهم كل  صباح وكل ظهر وكل مساء ... وبعد المساء ... وآناء الليل ... وبعد الليل ... ويراهم أيضا كافة مسؤولي هذه البلاد الذين عوض أن يعملوا على تصحيح هذا الوضع المائل نرى أنهم يتهافتون على الظهور أو الحضور  في برامجهم  ويسعون جاهدين كي ينالوا رضاء هؤلاء المتجاوزين . وعندما أقول الوضع المائل فإنما أقصد  هؤلاء الذين يشربون الماء ويضيّقون المجال على الشجر... فكثير منهم يعمل  عملين أو ثلاثة أو أربعة وربما أكثر ( مع احتساب ما يوكل لهم من مهام في المهرجانات والتظاهرات المختلفة  ودون مقابل كالعادة )  بينما نجد أن معهد الصحافة وعلوم الإخبار ينتج لنا سنويّا عشرات الصحافيين الجدد الذي عوض أن تعطى لهم فرصهم في العمل نراهم يعززون صفوف العاطلين  الذين  لا حول ولا قوة لهم  في ظل هذا الوضع التعيس الذي ( مثلما قلت ) لم يحرؤ أحد على محاولة تصحيحه .
" حارة " يعملون ... والبقيّة ينعمون
جرت العادات السيئة في المؤسسات الإعلامية العمومية أن يكون وزر العمل واقعا على " 4 كعيبات " فقط يقومون بكلّ شيء ... وعادة نجدهم لا محمودين ولا مشكورين  بل مثلما قال شكري بن نصير مستهدفين  وعرضة دائما لكافة أنواع  " القلق " والتضييقات لأنهم إما  يرفضون الإنخراط  في البرامج والتوجهات المشبوهة  وإما  ليس لهم من يسندهم ويدافع عنهم لأنهم يؤمنون  بأن كفاءتهم  هي التي تفرضهم ولا تفرضهم أشياء أخرى . وحتى أعطي دليلا قاطعا على ما قلت عن " الحارة " الذين يعملون  بينما الآخرون ينامون أنظروا ما يحدث في التلفزة  الوطنية وستعرفون . ففي هذه المؤسسة العمومية يعمل حوالي 1400 شخص بين صحافيين وتقنيين وإداريين وعملة وغيرهم ...  ومن هؤلاء يمكن أن نعدّ 250 أو 300 صحافي وصحافية على الأقل  لكن كم واحدا منهم يعمل ؟ . كم واحدا ينتج ؟. ما هي الإنتاجات العظيمة لهذه المؤسسة التي تملك كافة إمكانات الإنتاج لكنّها توكل للمؤسسات الخاصة إنتاج معظم ما تقدّمه ؟... وطبعا لسنا في حاجة إلى التذكير  بما حصل مع المنتج الخاص محمد الحناشي الذي تعاقدت معه المؤسسة على إنتاج مسلسل لشهر رمضان الماضي فانتهت الحكاية إلى المحاكم وقبض المنتج 750 ألف دينار ولم تبثّ التلفزة  حرفا واحدا من ذلك المسلسل ... ببساطة لأنه  لم يقع إنتاجه بالكامل نظرا إلى الخلاف الذي جد في اللأثناء بين المؤسسة والمنتج  فكانت النتيجة أن المؤسسة ألقت 750 ألف دينار في التراب لأنه ببساطة من المال العام أو " رزق البيليك " وليس من جيوبهمأو من جيوب أهاليهم  .
نعم حقائق صادمة .. ولكن ؟
عندما قال شكري بن نصير إنه سيعود إلى الحديث عن " حقائق صادمة " فلأنه يعرف الكثير ربّما ممّا قلته وأيضا مما لم أقله  نظرا إلى ضيق المجال ... وهي بالفعل حقائق صادمة  لمن لا يعرفها ولكنها مألوفة لدينا ... وللأسف الشديد تعرفها الدولة والنقابة  واتحاد الشغل ... وربما أيضا مجلس النواب . الآن  " ستوب " فقد  نفد الصبر وانتهى الأمر. فعلى كل طرف أن يتحمّل مسؤوليته عسى أن نقتنع ونقنع غيرنا بأن ما يقال عن خوف الدولة والنقابات من بعض الإعلاميين الذين أصبح بأيديهم " التطليع والتهبيط " غير صحيح ...
جمال المالكي

 

التعليقات

Ajouter un commentaire