عائد من أمريكا بعد النجاح : سفيان بالناصر يعلن عن إنشاء " معهد السياسات العمومية " بتونس

 

عندما كانت تونس تعيش إحدى أصعب فتراتها  ( سنة 1983 ) قررت  أن أحوّل وجهة حياتي نحو الولايات المتحدة الأمريكية . حملت معي أحلامي التونسية وتسلّحت  بطموحات أمريكية كانت ( وربما ما زالت ) تجيز للبشر ليس الحلم فقط بل تحقيق أي حلم طالما أن تلك الطموحات تبنى على مبدأ " لا مستحيل مع العزيمة والحياة ".
ولم أضيّع  وقتا طويلا لأندمج في مجتمعي الجديد خاصة أنني  حددت  أهدافي وأحلامي في تحسين وضعي وتحقيق طموحاتي في مرحلة أولى على الأقل  وخاصة أيضا أنني  لم أدخل إلى الولايات المتحدة على الطريقة الكلاسيكية بل احتضنتني  مؤسسة معروفة وهي American Express   على غرار ما يحدث للعديد من أمثالي ممّن ترى فيهم المؤسسات الأمريكية ( العديد منها متعدد الجنسيات  على غرار Cereiadian  و First American Bank  وغيرهما ) مؤشرات تفوّق أو نبوغ  فتتبناهم  وتنفق عليهم بلا حساب وهي متأكدة من أنها استثمرت في المكان الصحيح .
" حاكم " في " وول ستريت "
... وفي رحلة الدراسة والتكوين اخترت  أن أتخصص في مجالات محددة وهي : تحويل المؤسسة (  transformation de l'entreprise)  والتطوير التنظيمي (  developpement organisationelle) وبرمجيات الإعلامية التطبيقية في الحوكمة وديون المؤسسات  أي في كل ما يهم الحوكمة  والتحوّل والتصرّف في البنوك وشركات التأمين متعددة الجنسيات . وفي سنة 2000 قررت أن أبدأ بفتح مكتب استشارات في الأنظمة المالية  في " وول ستريت " بالذات . ومع مرور الوقت واكتساب الخبرات  صرت  مستشارا لدى العديد من الشركات الكبرى لعلّ أهمّها وأكثرها شهرة شركة " فيليب موريس " المعروفة بصنع التبغ الرفيع .
المساهمة في بناء تونس ؟
" ... سنة 2012 وجدت أن  الفرصة مواتية للقدوم إلى تونس وفي ذهني عزم على المساهمة في التحول الديمقراطي في البلاد وبناء اقتصاد حديث . وفي هذا الإطار قررت أن أتّبع بعض المبادرات ومنها التركيز على التشريعات وآليات الاستثمار مع البنوك الدولية الخاصة وليس بالضرورة مع صندوق النقد الدولي وبناء علاقات مع مؤسسات عالمية كبرى على غرار " وول ستريت " و " لندن سيتي " ... وكذلك التركيز على خلق " لوبي " أمريكي تونسي يقوّي صوت تونس وموقفها على مستوى الكونغرس والبيت الأبيض و " وول ستريت " من خلال تأثيره على أصحاب القرار خاصة في ذلك الوقت الذي لا شيء فيه كان يضمن أن تصبح تونس بلدا ديمقراطيا وأن لا تنزلق في متاهات أخرى بعد الثورة على غرار ما حصل في بعض البلدان . وبهذا التوجّه أردت أردت أعالج مشكلا أرى أنه مزمن وهو ضعف التسويق لصورة تونس  من خلال سؤال وجيه وهو : كيف نفتح هذا الباب الاقتصادي  والثقافي الكبير على أعلى مستوى يمكن أن ينقل تونس إلى درجة أعلى؟. فالأمريكان وحسب رأيي يعرفون جيدا الدار البيضاء ويظنّون أن الكسكسي أكلة مغربية ... ولا يكاد الكثير منهم يفرّق بين تونس وأندونيسيا . وفي ظل التغيّر المتواصل للحكومات في تونس لم  أجد  المخاطب الذي يفهم مقاصدي ويساعدني على تجسيم أفكاري على أرض الواقع بالرغم من أن بعض الأطراف الفاعلة حاولت مساعدتي لإيمانها بما أطرح من أفكار وبرامج . وفي انتخابات 2014 التي حققت التوازن بين الديمقراطيين والإسلاميين حسب رأيي حاولت  أن أحيي أفكاري وتساءلت مرة أخرى كيف يمكن لي أن يساهم في مسيرة البلاد سياسيا واقتصاديا ؟. لكن سرعان ما أحسست  بأن المنظومة  " غير قابلة للتجديد "  وأن هناك نظرة خاطئة ما زالت ترفض أو تحترز من كل ما يأتينا  من أمريكا عكس ما يأتي من أوروبا فنقبله بإيجابياته وسلبياته أيضا . وهنا يجب أن أصحح  الفكرة من خلال قولي : " أنا مثلا في أمريكا فشلت ونجحت وحدي . فالشركات هناك تستثمر في البشر وتنفق عليك مئات الملايين ولا يهمّها إن كنت مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو هندوسيّا ... المهمّ عندها أنك مشروع فكرة قابلة للنجاح وبالتالي ستستفيد منك وتجعلك تفيد الآخرين .".
هذه ملاحظاتي في تونس 2017
وفي حديثه عن تونس اليوم أي سنة 2017 يقول السيد سفيان بالناصر : " أنا أرى أن الحياة السياسية تعيش في أزمة ولا أرى من الطبيعي وجود أكثر من 200 حزب سياسي ومنظّمتين وطنيتين مسيّستين وهذا يؤدّي إلى غياب الأغلبية الواضحة رغم بروز 4 تركيبات  مميزة وهي كتلة " النداء – النهضة " ( معا ) وكتلة الحرة  - المشروع  وكتلة الجبهة الشعبية وكتلة التيار الديمقراطي . وفي وقفة تأمّل سنة 2016 لاحظت  أن  الانتقال الديمقراطي بأكمله  مهدد وأن كافة المكتسبات مهددة ومنها الحريات التي لا أعتبر أنها  مطلقة . كما أن بعض  " الحريات الصغرى " مهددة  كحرية تكوين رأس المال وحرّية المشي على الرصيف ... وغيرها من الحريات . ومن هنا تأتي ضرورة إصلاح السلطة القضائية  وإرساء المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية . كما أن النظام الذي أفرزته انتخابات 2011  "  نظام مختلط "  ولا يمكن أن ينجح لأنه متناقض مع مبادئ الديمقراطية . الدستور أيضا  ليس مقدّسا ويجب أن نبدأ في حوار وطني من أجل تعديله وكذلك  مراجعة النظام الانتخابي من أجل إرساء نظام رئاسي متوازن يجعل من رئيس الدولة  الرئيس الفعلي للسلطة التنفيذية  رغم أننا ما زلنا نخاف من النظام الرئاسي  والحال أننا إذا أضعفنا دور الرئيس أضعفنا الدولة . فأنا أرى أنه من غير المعقول أن نعطى أقوى منضب في الدولة لرئيس الحكومة وهو غير منتخب بينما نحصر سلطة الرئيس المنتخب في أمور معيّنة . ففي الولايات المتحدة مثلا هناك مؤسسة رئاسة قوية لكنها لا تحكم وحدها بل نجد معها قوة الكونغرس وقوة السلطة القضائية . وعلى هذا الأساس يجب أن نحرر أنفسنا من العقدة القديمة ( النظام الرئاسي المطلق ) . فإذا  نجحنا في إرساء توازن بين السلط فممّ سنخاف  طالما سيكون لنا مجتمع مدني قوي وأمن جمهوري وقضاء فاعل ومستقل ؟. وأعيد الكرّة لأقول إن المشهد السياسي مختلّ تماما وهو يمتاز بالتشتت الذي لا يساعد إلا على المزيد من الغموض بالنسبة إلى الشعب التونسي الذي جعلته الأحزاب يكره السياسة  وينفر منها ...".
لا أحد يقدر وحده على الحلول
وفي نفس الإطار يواصل السيد سفيان فيقول : " إن الرؤية لم تعد واضحة بالنسبة إلى الشعب . كما أن كل شخصية وطنية تعتقد أنها قادرة بمفردها على حل مشاكل  البلاد والحال أنه لا أحد يقدر على توفير الحلول بمفرده . فهناك أنانية استثنائية لدى التونسيين الذين يريد كل واحد منهم تأسيس حزب بمفرده ( جمعة والزنايدي والنابلي والأخوين الشابي ...) . كما أن الثقة انعدمت وانعدمت معها البرامج التي تجمع الناس . وأنا في النهاية أريد توحيد الشعب التونسي  الموحّد بطبعه عبر عناصر كثيرة . أما على مستوى الأحزاب فلا أرى غير حزب النهضة كحزب مهيكل ومنظّم  ثم يأتي بعدها حزب مشروع تونس لأن له برنامجا واضحا ثم نداء تونس الذي اعتبره حزب محطات انتخابية وليس حزب برامج ...".
مليون عاطل ومليون متقاعد ؟
ويختم السيد سفيان بالناصر هذه المصافحة الأولى قائلا : " نحن اليوم في تونس  متفقون جميعا على التشخيص وعلى أن اقتصادنا في أزمة حقيقية على كافة الواجهات . ولو واصلنا في هذا المنهج سيكون لنا سنة 2020  مليون عاطل عن العمل ( منهم 400 ألف سيتخرّجون  من الجامعات بعد 4 سنوات )  ومليون متقاعد . وحتى لو بلغت نسبة النموّ 1 في المائة  فلن نقدر على تشغيل أكثر من 15 ألف عاطل كل سنة . كما أن البطالة المقدرة اليوم بنسبة 15 في المائة لن تتقلّص ما دام الوضع يسير على نفس المنوال ... وكل هذا أعتبره خطرا عموميا على تونس ما لم تتم تهيئة  رأس المال البشري لمواجهة الاقتصاديات الجديدة وما لم نحرص على جودة تكوين المتخرجين الجدد  وغير ذلك من الإصلاحات . ومن هنا أيضا أتت فكرة إنشاء " معهد السياسات العمومية "  تجسيما  للمبادئ التي تعلمتها في أمريكا ومنها  تشجيع نقاط البحث  عن الحلول وقوة الإقتراح الإيجابي من أجل إحداث التغيير. وسيكون هذا المعهد بإطارات تونسية  صميمة واقتراحات عملية وبراغماتية ستفيد المؤسسات التونسية جميعا  وكذلك الأحزاب والمجتمع المدني . وسيكون المعهد أيضا منبعا للمؤسسات العالمية  ومقصدا أو قبلة للعديد من الراغبين في الإستفادة من مختلف أنحاء العالم .".
هذه إذن مصافحة أولى مع السيد سفيان بالناصر الذي يبدو أنه يحمل في جرابه الكثير من الرؤى والأفكار التي قد تنفع البلاد والعباد . وبكل تأكيد سنعود في مصافحات قادمة  إلى التفاصيل التي من خلالها  يمكن للسيد سفيان أن يشرح أفكاره بأكثر دقّة ووضوحا .

التعليقات

Ajouter un commentaire